منتديات طريق العرب
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


طريق العرب
 
الرئيسيةإتصل بناالتسجيلدخول

 

 خاطرة فى وصف جحفية القديمة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سعد عنتر سعد
مراقب
مراقب
سعد عنتر سعد

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2517
نقاط : 6975
العمر : 29

خاطرة فى وصف جحفية القديمة Empty
مُساهمةموضوع: خاطرة فى وصف جحفية القديمة   خاطرة فى وصف جحفية القديمة Emptyالإثنين 15 نوفمبر 2010 - 13:14



خاطرة بقلم أحمد ضيف الله طلفاح أحد أبناء جحفية الاوفياء ليجسد ماآلت اليه جحفية القديمة

في قرية جحفية العريقة كانت هناك بيوت وحارات تناغـمت مع الطبيعة وحملت أسرار التاريخ ونبض الذاكرة. حملت إرث الآباء والأجداد الذين عاشوا فيها وعَمَرُوهَا وزرعوا حقولها وحواكيرها, مزجوا ترابها بعرقهم وبدمائهم. ارتحل ذلك الجيل الأصيل إلى مجَنَّة جحفية وأسند الأمانة إلى جيل الأبناء الذي لايزال يعيش على حواكيرهم ذاتها ويأكل من أشجار التين والصبر والزيتون وكروم العنب ذاتها. ما انفك أطفالهم يتصابون ويتراكضون في تلك الحارات الكريمة التي لاتبخل عليهم بالمرح والسكينة. انكفىء الجيل عن الماضي وهجروا تلك الحارات ونعتوها بالخرابات القديمة وخجلوا من ذكرها. تساقطت بيوت الطين فيها واحداً تلو الآخر بعد أن استغاثت واستنهضت أصحاب الفكر والتراث, فليس من مستجيب. ذكّرتهم برائحة أبائهم وبشروش أمهاتهم وبالأمانة التي أسندت إليهم لعلهم يرجعون! لكنهم أشاحوا وجوهم عنها, ولا حتى التفتوا لأنين المسجد القديم الذي قُتل شهيدا بمعاول الآثمين, الأوغاد الذين فاضوا من كل البلاد كجرذان الليل يبحثون عن كنز دفين تحت أعمدة المسجد. دقّوا أعمدة المسجد بفؤوس تقطر جشعاً وطاعوناً وقرضوا حجارة القواعد.

في ليلٍ باردٍ طويل من ليالي شهر كانون الثقيل هطل الثلج البارد الأليم, وأثقل على كاهل المسجد الجليل ذلك المسجد الذي دُقَّت أعمدتة فما عاد يقوى على ثلج كانون الثقيل. ثم آثر الرحيل, وتهاوى على أركانة وعانق سقفه العالي العزيز أرضه الطيبة التي طالما سمعت توسلات الساجدين العابدين ولطالما كتمت أسرار المستغفرين. تساقط الثلج الأبيض طوال الليل وكأنه كان يكفَّنه. ولكن الحائط القبلى استعصم عن السقوط, ظلَّ شامخاً يتحدى كوانين, وعواصف الثّلج وهدير الرعد ويتحدى الزمهرير, وظل يهزأ بالفؤوس والأزاميل وحتي بحديث المُتَعرِجفين المتمدِّنين, كان يسمعهم يقولون اهدموا هذا القديم, هو حائط يتيم من حجر وطين, وهو الآن مأوى العقارب والحَيايى واللّدَادين. ومضت ثلاث سنين والحائط القبلي على عهده شامخاً كما وعد.

في صيف عام الف وتسع مئة وتسع وتسعون أطاعت جرافة بهماء أهواء المتعجرفين المتمدِّنين وجاءت تدكّ معاقل الحائط القِبْلي, فتمنَّع, وما كان لها إليه من سبيل إلّا أن تدكه من باحته الشمالية الشرقية التي تعلوعلى الأرض التي تجاورها. وآن لهذا الفارس القِبْلي أن يترجل وسقط شهيداَ وجثى ليسجد إلى الأبد على أنقاض المسجد ويلحق بأخوانه الذين تأخر عنهم واشتاق اليهم. وصالت عليه عدة صولات وسحقت تحت عجلاتها جحارة المحراب والجدران الطاهرات, كان في وضح النهار, في قسوة الحر من صيف تموز من ذلك العام. وقُضِي الأمر وانجلى الغبار وبات ذلك الطَود العظيم أثراً بعد عين.

ياترى أتناسوا كم شيخاً جليلاً صلى وتهجد في جنبات ذلك المسجد العتيق, أنسوا أم تناسوا سراج الزيت في مشكاة الحائط القِبْلي. ومن ينسى أذان الفجر والتراويح والبهجة بيوم المولد النبوي الشريف على ضوء البنانير, وهل تُنسى صلاة العيد والتعايد بين أهل القرية بُعيد الصلاة في باحة المسجد, والضحكات الصادقة جوار قنطرة البوابة الشرقية بوابة السور الذي كان من الحجر المَدْقوق. هيَّجت تلك الذكريات وصمود الحائط القِبْلي وسقوطه قلوب أهل القرية الأوفياء الذين ما زالوا على عهد الأباء يمرون كل يوم بجوار قبورهم في المجنة الآمنة الوادعة. لكن لاحول لهم ولا قوة, قهرتهم أزاميل العابثين وعجَّزتهم دعوى التَّمَدُّن والرُّفي الزائف, دعوى التَّنَكُر للتراث وللتّراب, هنالك ضاع صوت الحكمة والحصافة وتمرد الصغير على الكبير وتنمرد القليل على الكثير.

من ذلك الحين غدت حياة المدينة وانفاسها الآسنة تجثم فوق أنفاس حواكير جحفية القديمة الزكية, تتمدد وتخنق آخر ماتبّقى من عبق الماضي ورونق الريف وتغتال براءة الخُبِّيزة والمرَّار والخُرفيش وتُذل كبرياء القُرُّييص والعُّليق. من حين لآخر يمخُر أزيز الجرافة الهوجاء سماء حارة الخرابات, وتبدد سكون حواكير الصبر والتين والرمّان وتقظ المضاجع ثم لتدك في كل مرّة بيتاً وديعاً من الطين والحجر والقصييب وتواري أشلاء أفران الطابون وشظايا زجاج البنانير وتطمر حجارة الحنوت والعتبات, وتطوي تاريخاً تليداً ما كان لة أن يبيد.

إنها العبثية ليس الّا والهرولة إلى المجهول والتقليد الأعمى للمَدنيّة والتَّمَدُّن, تلك التي وأدت الحياة القروية المخملية حيث كانت تتصابى في تلك الحارة المنسية في جحفية القديمة.

ليت المعاول والفوؤس وليت الجرافة الهوجاء والمُتمَدِّنين يدركون أن هذه الحارة كانت قبلهم بالآف السنين, كانت تحتضن حضارة تلو الأخرى, بل هي مسرُح التاريخ وملحمة الأجيال السالفة, مهداً لحضاراتٍ قديمةٍ تعود إلى العصر الحديدي المتأخر والعصر البرونزي, قد توالت عليها حِقبة الرومان والبيزنطيين, ثم تنورت بالعصر الإسلامي الأموي والإسلامي العثماني, وها هي تُقتل في العصر الحديث. أهو فعلاً عصر حديث !! لله درّك يا جحفية القديمة, انت جميلة كما أنت, جميلة بكل مافيك وأنيقة بثوبك القديم. ستدومين خالدة في القلوب المستنيرة وستبقين حيةً في ضمائر أهلك الأبرار.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://www.facebook.com/saadanter
 
خاطرة فى وصف جحفية القديمة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات طريق العرب :: المملكة الأردنية الهاشمية :: منتدى المملكة الأردنية الهاشمية-
انتقل الى: